ماجستير، وإيفاء بوعد قديم!

on

1 يناير اليوم الأول من 2020 أكتب إليكم مع خالص الحب والتقدير:

(لطالما اعتقدت أن لذة العيش تكمن في المغامرة، وكلما كبرحجم مغامرتك التي تخوض في هذي الحياة كانت متعة التعلق بأسباب النجاة أكثر لذة.)

تدوينة المحيط

لعلكم تذكرونها مذكرة المحيط، النص الذي ولد من رحم المعاناة، في أقسى ليلة دراسية عشتها، عندما انفلق كوكبي عن نص خرج إلى الحياة كاملًا دفعة واحدة، وذلك النَّفَس الذي شعرتُ به يملأ جوفي بعد حِملٍ ثقيل.

أكتب الآن في الليلة الأخيرة من العام ١٩ مودعةً لحظات الضغط الماجستيري، بعد عناء الليالي، والمشاق التي لشدّتها لم أصدق لحظةً بأنها: “بتروح سوالف” كما أخبرتني بذلك أمي، ومع ذلك لم أستطع ابتلاع الفكرة؛ ليس تشكيكًا بما قالته حاشى بقدر ما هو يأس استحوذ علي كما يستحوذ شيطان على ساحر: السهر وقلة الحيلة وتراكم المهام، الدموع الحائرة، والضغط النفسي والإنهاك العصبي والغصة الخانقة.
التخصص الجديد، تحدي اللغة الإنجليزية، البرمجة، القرارات الجامعية المفاجئة، البحث وتبعاته، يوم المناقشة الكبير، الابتسامة رغم التعب.
قد تكون مرحلة الماجستير أقصر من البكالوريوس لكنها أكبر منها بكثير، تحمل الكثير من التحديات، تختبر في كل مرة جديتك في اكمال دراستك العليا، تمر صباحات جوفاء، وأخرى لشدتها تشعر وكأنك في فلم تمثل أحد أدوار البطولة وليس أمامك من خيار سوى الصمود، لأنك تدرك يقينا أنك إنما وصلت لهذه المرحلة بقدمك وليس ثمة مكان للهزيمة، حتى وإن داهمتك الرغبة العارمة في ذلك! وفي المقابل ستتخلى عن كل شيء: صحتك، ووقتك، وأهلك، وأصدقاءك.. ستكون مستعدًا تمامًا للتضحية بكل شيء دفعة واحدة على أن تتجاوزها.
وعندما تقدّم هذه التضحية تُجيزك مرحلة الماجستير، وتشعر بأنك “تكيّفت” أخيرًا مع الوضع الراهن، وأنك انتصرت عندما ملكت نفسك في اللحظة الأخيرة، ثم عندما تقف أخيرًا في نهاية المطاف تدرك بأنك “ما عدت أنت”! وهذا فحوى الدرس الأكبر.
تدرك أن مرحلة الماجستيرهي “ذكاء الأدوار”، وتدريبٌ محنك على “تنمية الذات”، وعلى “إشعال بوادر الإبداع في اللحظات الحرجة”، “وأن نصف العلم يكمن في الفطنة”.
كثرة المتطلبات تخلق منك شخصًا منجزًا باللحظة والدقيقة، وتكتشف نفسك أنك أصبحت بالصدفة متحدثًا بارعًا، بينما لم يكن هناك وجودٌ حقيقيٌّ للصدفة! لأن ببساطة من يفشل في امتلاك هذه المهارة يفشل في اكمال دراسته قولًا واحدًا! في مرحلة الماجستير أنت تكتشف نفسك أكثر من كونك تدربها؛ لأن للنفس قوى خفية لا تظهر إلا بالظروف الصعبة.

علمتني مرحلة الماجستير ألا أكترث لبحر العلم كثرةً وعمقًا، ولا لطول الشروحات، ولا حتى لضخامة حجم المجلد.. العلم يطلب الشغف في نفوس طلابه، فإن لمس شيئًا منه فيهم أعطاهم مرادهم، وتحققت بذلك المعرفة.
ولتحقق ياصديق هذا تناول المعلومة الصغيرة بشغف وحب، وستلاحظ أنك قد فهمت منطق العلم، وسيكون من السهل استيعابه، وسيتحول من كونه عبأً ثقيلًا إلى متعة وخفة، استخدم عقلك للتحليل، وتنبأ بالنتائج، توقف عن كونك جامدًا متلقيًا للعلم أنت الآن جزءٌ منه؛ لذا عليك أن تسأل وتضيف وتعلق وتتنبأ بالنتائج، تعلم كيف تناقش وتدير الحوار، تعلم ثم تعلم كيف تطرح السؤال؟ ودومًا كن متأملًا كيف طُرح السؤال، وما المطلوب حقًّا منه، فكما قيل: “نصف الإجابة يكمن في فهم السؤال”، ستتضح هذه المقولة عمليًا في مرحلة الماجستير، لا تنسى أن تخزّن الأساليب العليا لطرح الأسئلة، فعماد البحث سؤاله، وكشّاف عقل الطالب في سؤاله، ومفتاحك لاقتناص معلومة، أو حتى من الهرب من موقف محرج هي في فن طرح السؤال متى وكيف يكون؟

بانتهاء عام 2019 أنتهي أخيرًا من مرحلة الماجستير، لقد انطوت تلك الأيام والليالي بصعوبتها، ومرارتها، وحيرتها وتبقى لذة الإنجاز، لا تستصعب في طريقك أي شيء يمكن أن يُعليك، بادر لاجتياز الطريق متوكلاً على الله، أكمل دراستك، وقُد انجازك لموطن أحلامك، تصبّر حين تغلق الأبواب، واسعد من كل قلبك عندما تبتسم لك الحياة، وواصل ثم واصل نحو طريقك، فالحياة جهاد.

وهنا شيء من أرشيف عام 2019:

“سيبدو لك لسنوات أنك ناضج بالفعل وستكتشف مؤخرًا أن أولى مراحل النضج هي أن تختار القرار المفاجئ لنفسك، القرار الصادم، القرار الذي سيجعل غيرك يتوهم جنونك! القرار الذي بنيته أنت الذي ترى في الأمر شيئًا لا يمكن لأحدٍ أن يراه!”

من أرشيف 2019

“ما نشعر به هذا الذي لا يُرى ولا يُلمس ولا يُسمع هو ما يصنع منا أشخاصًا مختلفين، وهو ما يفرقنا عن التحف واللوحات والقصائد المكتوبة، أعني عندما يسكن الشعورُ صدرًا يتنفس فإنه ينتفض فيحيى وعندما يكون في لوحة أو تحفة فإنما يودع فيه على نية أن ينسلّ فيسكن روحًا أخرى ليحيى مجددا.”

من أرشيف 2019

” انطلاقًا من حقيقة محدودية عمر الإنسان بمقابل اتساع المكتبات وتنامي المعرفة البشرية؛ إذ صارت القراءة بصورتها النمطية أشبه بقطرة في محيط، وأصبح عبئًا على المثقف الإحاطة بالمعرفة الأم، فكان لابد من اتخاذ قرار يكون له دور في نقل ثقافة القراءة من الذاتية إلى الاجتماعية، ومن الصورة النمطية لقارئ بيده كتاب إلى صورة المثقف الجديد الذي يقرأ ويشارك ويستمع ويضيف للمعرفة الجماعية “

من أرشيف 2019

لعلي هذا العام 2019 المنصرم قد قصرتُ بحق شرفتي، لقد فكرتُ طويلاً بشأن مذكرات النصف الثاني من عام 2018 صحيح أني كنتُ قد قطعت وعدًا لكم بإنزالي النصف الثاني من مذكرات العام؛ ولذا سأترك النصف الثاني من هذه التدوينة لمذكرات عام 2018، سأحدثكم بأبرز ما عشته فيها، وكما تعلمون كانت تلك الفترة جزءًا من مرحلة الماجستير؛ لذا لم تكن المنجزات المحكية بقدر عالٍ من الأهمية، ولكن لا بأس. مرحبًا بكم مجددًا:

(تفاصيل تكوين الكتابة) أول ورشة لي في الكتابة الإبداعية على أرض الواقع، لقد عقدتُ ورشًا كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي مع جمهور افتراضي لا أعرف عنه إلا ما يصلني من تفاعله؛ لكنني هذه المرة نزلت الساحة وقابلتُ جمهوري وجهًا لوجه. فخورة بورشتي التي قدمتها لجمهور أصدقاء القراءة بشكل خاص، وأقدّر لإدارة المشروع ثقتهم بي، ومن على شُرفتي -منطقة اعترافاتي الدائم- أعترف بأنه كان جمهورًا استثنائيًا جمع ما بين الشعراء والكتّاب والمغمورين، ولم أشك ولا حتى بأدنى شك بأني في مرتبة المعد للورشة؛ لأني ببساطة كنت أداول محاور الورشة فيما بيننا وحسب، لقد مكننا عمق الحوار مع تلك الطبقة الراقية من الجمهور من السفر إلى أجواء أخرى؛ لقد نسينا الوقت ولم نتداركه إلا وقد بقي منه القليل؛ ورغم أن الزمن دائمًا ما يهزمنا تمكنك هذه اللقاءات الثقيلة في معيارها من استعادة ما فات منه بلحظات بواسطة ما تهبك من عصارة تجارب ناضجة؛ فكأنك بذلك تقلب قانون الزمن وتمسك بعقرب الساعة وتعيده للوراء أو الأمام على نحو ما تهوى.
لقد أحدثت الحوارات المحتدمة اتساقًا مدهشًا! فبينما كنت أتأمل الأفكار المتداولة في تلك القاعة لفتت انتباهي فكرةٌ ما، لقد كانت قاعة الاجتماع استثنائية في موقعها، لم تكن كعادة قاعات الاجتماع في الدور الثاني مثلاً ولا حتى في الدور العاشر ولا أعلى من ذلك، لقد كانت تحتل بقعة في عمق الأرض؛ ولذا كانت جميع أجهزة الجوال في حالة (خارج النطاق) ونحن كنا بالفعل خارج النطاق الواقعي؛ إذ لم تكن تلك القاعة في قبو الجامعة وإنما أسفل القبو بدورَين!
لقد كان اجتماعًا محفورًا في باطن الأرض وفي خلجان الذاكرة، وتلاه ورشة أخرى كانت بعنوان: “ماذا بعد القراءة؟” تناولت فيها محاور عدة لهذه المرحلة الأكثر تجاهلاً بينما هي الأكثر أهمية، فليس بأقل أهمية من نوعية الكتاب وطقوس القراءة ما يليها من فترة زمنية تدعى بـ” مابعد القراءة”، من هذه المحاور:
– الهدف من القرءة: متعة أم ثقافة؟
– القارئ بصفته فاعلاً: ما الصورة النمطية والافتراضية للمثقف؟
– الكتب التي تعجبنا والتي لا تعجبنا، كيف نتحدث بإنصاف عنها؟
– ماذا عن الآثار السلبية التي تتركها بعض الكتب فينا بعد القراءة؟ متى يحدث ذلك؟ ولمَ؟
– معادلة تحويل القراءة لمشروع ما أو مبادرة ما.

“لمَ يُقاس النجاح بما يحققه أحدنا من أرباح؟ لمَ لا يُقاس بحجم التحديات، بحجم التضحيات، بحجم ما فقده أحدنا واستطاع رغم ذلك المضي للأمام؟ لمَ لا نوسع مفهوم النجاح الذي احتكرناه بالدراسة والتجارة لنضم أولئك الـ”ناجحون” رغم مرارة الحياة؟”

من أرشيف 2018

“إن لم تملأ وقتك بالعمل شحنك الفراغ حتى تنفجر كبالون، وُلدتُ واقفًا وأرغب بملء صدري أن أحفر في هذا الفضاء حيزًا خاصًا بي، روحًا تظل باقية وإن خبا جسدي، ولأجل هذا أواصل العمل.”

من أرشيف 2018

” حينما تقرر لا تتكلم كثيرًا لا تدع عقلك يتمسك بالقول ويكتفي به، اصمت وَدَع أفعالك تتحدث عن قرارك، فإن أول خطوة لتراجعك هو كثرة الكلام عما ستفعل!”

من أرشيف 2018

سيكون لصالح شرفتي إنهائي مرحلة الماجستير واستعادتي “آسية” القديمة، لن أحدثكم عن شيء، سأدع أفعالي تحدثكم عن توقي لشرفتي ولكم، ولتشير إلى صدق نيتي في حب التغيير.
بدونكم لا أعبر، إن كان في ذهنكم من فكرة أو اقتراح فقلبي يسعكم، شتاء مبارك وليالي ممطرة سعيدة

أراكم قريبًا 🙂

4 Comments اضافة لك

  1. Batool كتب:

    كل التوفيق آسية 💛

    Liked by 1 person

    1. asyeh كتب:

      آمين وليكن التوفيق حليفك في قادم أيامك بتول🌷

      Liked by 1 person

  2. ASHWAQ كتب:

    على ابواب الماجستير انا ي آسية تدوينتك حفزتني كثيراً ,
    يوم ما سأتنفس الصعداء مثلك وأفي بالوعد واتحدث عن تجربتي لعلي
    احفز احد يقف مكاني الان ..

    ممتنه لجمال حرفك 🌷

    Liked by 1 person

    1. asyeh كتب:

      بدايةً مبارك أشواق👏🏻 ستتخطين هذه المرحلة قريبًا باذن الله وقد خرجتِ منها شخصًا أفضل مما تتمنين💖 متفائلة بكِ✨

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s