عيـون الأمهات

on

كشجرة مباركة أنمو مذ أول لحظة نزلتَ رحمي نُطفةً صغيرة، منذ التشكل الأول وأنا أتأمل كيف أني كنتُ أنمو معكَ مرحلةً بمرحلة، إذ اكتسبتْ عيناي بُعدًا عميقًا فحظيتُ مزيةً بـ”عيون الأمهات”!، وصار لثدييّ شكل كرات البلياردو ليكون لي “حضن الأم”، وكيف أنني أرعب عندما أدس كفي داخل جسمي فأحس باللهب، هل كنت أحترق في سبيل أن يحظى جسدي بمزية “دفء الأمهات”؟
والآن وبعد أن امتد بطني نحو الأمام يسابقني صغيري قادم أيامي، يثقل خطاي، يضيق بأنفاسي لحظة ما تتكئ يداي لتكتب في ملاحظة الجوال، يباعدني عن حوض المغسلة عندما أهم بغسل وجهي، يغطي النصف السفلي من صفحة الكتاب، ويأخذ حيزا من جانبي عندما أستلقي جانبًا لأنام، يذكرني بأنه الأَولى بالاهتمام كلما قمت نحو شاشة اللاب توب لأكمل مشروعي فأمسح بحنية على بطني المستديرة أعده هامسةً بألا يطغى حب بشري آخر على حبي له، بأنه سيظل دومًا الأول، وأن عيناي ستقر برؤيته قريبًا بإذن المولى.
تجيء أيام أشعر فيها بالغرابة، فتارة يُخيَّل إليّ أني دلوٌ ممتلئٌ حتى فِيه، وتارة أكف عن الشعور بالامتلاء إلى الشعور القوي والمفاجئ بالفراغ البركانيّ من الداخل، فأشعر وكأن أنبوب المريء الطويل حتى جسم المعدة فارغٌ عميقٌ كتجويف بركان يوشك أن يثور، وتارة أشعر بينما أكون مستلقية أحاول الانقلاب إلى جانبي الآخر بشعور الفقمة، فأتذكر كم كانت الفقمة من الحيوانات المفضلة لدي وأنا صغيرة، أشعر بالفضول الكبير تجاهها، بأن لديها وجهًا ودودًا لطيفًا وأذكر كم وقفت أتأمل المفارقة عندما تنسلّ بخفة في المياه بينما تجرّ نفسها زحفًا عندما تكون على اليابسة.
الذاكرة أثناء الحمل تبدو غريبة، مثيرة، أكثر وجدانية، تستفيض علي بالذكريات في تفاصيل صغيرة كانت قد حصلت لي في الماضي البعيد جدا بينما تقصر عن أن تتذكر أني سأهاتف المشفى لأخذ موعد، أو لأهاتف جدتي لأطمئن على حالها، أذكر كم فوّت تعزية قريبة زوجي في زوجها رحمه الله حتى فات الأوان رغمًا عني، وفي اللحظة التي خططت مسبقًا لتجهيز قائمة مشترياتي الشهرية فيها تأخذني الذاكرة إلى تلك الليلة المدرسية بينما كنت أردد ورد الحفظ القرآني لسورة الحجرات بينما أنا في السيارة أنتظر والدي يدفع فاتورة الأغراض المكتبية، ذلك الشعور العميق بالسعادة لاقتناء دفاتر أنيقة من المكتبة متزامنًا مع شعوري بالحماس لبداية العام الدراسي الجديد وندبات شعورية بالأسى لأن الدقائق تمر بينما لم أتمكن من إتقان المقطع!
وهكذا فكأن الذاكرة تلهيني أو كأنها تودعني بمقتطفات من حياتي القديمة، فلا ألبث أن تسعدني بعض الذكريات العتيقة لأحزن عندما أهم بالنوم فأذكر نسياني لبعض المهام الهامة.
أتأمل جسمي الآن وقد انتفخت أطرافي، غارت ركبتاي، واكتنزت رقبتي، وأصبحت أسير في منزلي حافية القدمين إذ لم يعد هناك شيءٌ يوسعها، أستطيع القول: “لقد كبّرتني مرحلة الحمل الصعبة كثيرًا، لقد صار لي صبر الأمهات، كم كنتُ أرى أمي بصبرها وإيثارها العظيم وابتسامتها العذبة ونظرتها الحنونة العميقة أمًا حقيقية وها أنا ذا أخيرًا أصير أمي!

10 Comments اضافة لك

  1. nseebhz كتب:

    وصفتي شعور أصعب ما يمكن وصفه بالنسبةِ لي، جمييله جميلة 🥺 ربي يقر عينك بجمال ما اعطاك

    Liked by 1 person

    1. asyeh كتب:

      الله يسعدني كلامك وأني وصلت لهالمرحلة✨ جمال تعليقك وروحك نسيبة لاعدمت الشرفة وجودك🤍

      Liked by 1 person

  2. molarya كتب:

    لطيفةٌ مشاعركِ وكلّ ما تعايشينه من “شعور الأمّهات”
    هذا العمقُ في الوصف، أتسائلُ كيف يكون حين ترى عيناك طفلكِ

    Liked by 1 person

  3. molarya كتب:

    “ضغطت زر الإرسال دون أن أنتبه”
    أردتُ أن أخبركِ، أنني حتى وبعد مرور ٤ سنوات لم أنسى المرة الأولى التي وقعت فيها عيناي على طفلتي الصغيرة حفظها الله
    وأن مشاعر الرحمة معها شيءٌ لم أشعر بمثلهِ من قبلُ.
    وأنني أرجو لك ولطفلكِ ولعائلتكِ كلّ السعادة ، والمشاعر الجميلة

    Liked by 1 person

    1. asyeh كتب:

      الله✨ تزيدين من حماسي كم أتوق لهذه اللحظة التي أشعر بأنها ستكون كفيلة بمسح كل ألم ومشقة كان قبلها♥️ أقر الله عينك بابنتك وأسعدكِ سعادة الدارين🌹

      Liked by 1 person

  4. مرحبًا آسية ..

    قمت بترشيحك للإجابة على الأسئلة في مبادرة The Liebster award.
    تسعدني إجابتك، في حال رغبتِ بذلك بالطبع.

    https://khazaen.wordpress.com/2020/10/26/%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%AA%D9%8A-%D9%81%D9%8A-liebster-award/

    Liked by 1 person

  5. Joharh World كتب:

    نص أنيق و معبر،
    رحلة الحمل جميلة بكل تقلباتها الجسدية و المشاعرية،
    أنوي لك السلامه أن شاء الله.
    و استمري بالكتابة عن الامومة، فهي من ينابيع الأدب التي لا تنضب.

    Liked by 1 person

    1. asyeh كتب:

      سلمتِ🌹 بإذن الله😍 حقيقةً أفكر يكون هناك قسم مستقل عن الأمومة، بعيدًا عن التنظير الأمومة من وجهة نظر أدبية✨☕️

      إعجاب

  6. Rawan M. كتب:

    كلماتك جميلة ومشاعرك وصلتني رغم إني لسى ما مريت بهالتجربة ❤
    أتمنى لك السلامة ولطفلك وأن تقر عينك بشوفته وأنتِ بأفضل حال يارب ❤❤

    Liked by 1 person

    1. asyeh كتب:

      شكرًا لكرم روحك وجمال ردك روان✨ آمين وأقر الله عينك بمن تحبين💞

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s