مقابلة عمل!

صباح الخير

إحدى عشرة دقيقة تفصلني عن أذان الفجر، رغم محاولات تعديل جدول نومي إلا أني أعشق الساعات الأخيرة من الليل ولم أستطع التملص منها والنوم “مبكرًا”ولا لليلةٍ واحدة أشعر كما لو أني أفوّت عمرًا بأكمله! فعلاوة على كوني كائنًا ليليًّا أحب لحظات الصفاء والهدوء أصبحت أمًا وهذا يعني أنني لم أعد أتمكن من خلق جوّ هادئ وقتما أشاء وإنما علي الانتظار ببساطة حتى تنام صغيرتي وصوتٌ في داخلي يغنّي: “خلا لكِ الجو فبيضي واصفري”:)

هنيئًا لي بكم أنتم العيون القارئة العزيزة على قلبي، فالحرف لو لم يُقرأ كان كالكلام تذيعه إذاعة لقرية هاجعة، فإذا لم يكن للكلام أذن تعيه فلا يعدو كونه صوتٌ لا يفرق عن أصوات الطبيعة بشيء! لقد أتمّت شرفتي ٥٠٠٠ مشاهدة على مدى سنتين ونصف لهو شيء يدعو للفخر، من زارنا أهلٌ لنا، ومن بادرنا بترك تعليق في صندوق الوصف قفزت به فرحًا وطئ سهلا وفاز حبًا وقربًا.

وبعد…

أوقات السحر تكشف عما يخالج الوجدان، وتنفثه على السطح غير آبهة بصلاحية انكشافه للعلن من عدمه، لقد وردتني مكالمة ظهر يوم أحدٍ ماضٍ من رقم مجهول، كنت قد أجبت عن المكالمة ببرود ظنًا مني أن المتحدث موظف شركة الاتصالات ويريد طرح عروضه كالمعتاد، وفجأة كان المتكلم دكتور يطرح عرض عمل ويطلب مني ارسال السيرة الذاتية على بريده الرسمي التابع لأحد الوزارات، أغلقت الخط وكأن قلبي للتو خُلقت له أجنحة طائر الطنان ترفرف بسرعة وخفة قفزت من مكاني وأخذت أوضب ملف السيرة الذاتية أضيف عناوين الدورات التي لم أضفها كنت كمن يوضب حقيبة سفره وأنا أدرك يقينًا أن هذا الملف سيمثلني أمام الجهة فينبغي ألا أتجاهل أي نقطة من شأنها أن تكون من صالحي، تأكدت من: حاصلة على درجة الماجستير في اللسانيات الحاسوبية التابع لكلية اللغة العربية بتقدير عام ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، أتمعنها وأعيد قراءتها هل ستشفع لي شهادة عليا بمعدل عالي وتعوض تقصيري في خانة الخبرات العملية؟ أنا ما شأني مع العمل؟ هل تمثلني هذه السيرة الذاتية إلى درجة أن تفضح ميلي للدراسة على حساب العمل؟ هل للكرامة شأن في رفضي عروض عمل وجدتُ نفسي في غنىً عنها؟ أم أن المسألة مختلفة عن كل هذه الفلسفة وليست القضية إلا أني لم أعطِ نفسي وقتها في العمل لتتكيف وتنمو وتحقق النجاح كما حققته على الصعيد الدراسي! كنت أستغل فرص الدراسة كلما سنحت لي، لستُ أفهم لستُ أدري! احترت كثيرًا جدًا ولكن الأمل المتعلق بعرض العمل ذاك أنساني كل هذه الأفكار وأنا أضغط زر ارسال بعد أن تأكدت حرفًا حرفًا من بريده وأغلقت جهاز اللاب توب وذهني يفكر: هل سأذهب للعمل بعد أيام؟ هل تحقق حلمي أخيرًا في عمل يواكب رغبتي وشغفي؟ في الحقيقة العرض كان أكبر مما كنت أحلم وهذا ما جعل عيناي تبرق وذهني سابحٌ في بحر الأفكار: سأعدّل نظام نومي حتمًا، ستكون ساعات السحر للنوم طبعًا بكامل رضاي واختياري، سأبدأ اليوم في تعديل جدول نوم عصفورتي حتى لا يلحقها الإرهاق، ياااه أي حضانة سأسجلها؟ هل ستكون الحضانة قريبة من منزلي أفضل أم من مكان العمل؟!

بالمناسبة أين مكان عملي بالضبط؟ وكم يبعد عن منزلي؟ ألتقط الهاتف سريعا وأكتب في محرك البحث: “المدينة الرقمية” وكانت المفاجأة!

مدينة رقمية متكاملة بها فروع لكل الشركات الكبرى والوزارات في مبانٍ راقية وبها مجمعات مطاعم وكوفيهات وحدائق و تذكرت! هذه “رائدة” المدينة الرقمية التي مررت بها قبل حوالي أربع سنوات حيث ظل نظري معلقًا بها وأنا أدعو الله أن يجعل فرصة عملي فيها، كم سأكون محظوظة جدًا، ولن تسعني الدنيا أبدًا لشعور الفرح الذي سيسكنني عندما أوقع عقد عملي وأذهب فعلا لمقر عملي هذا.

قمت من مكاني لأستخير الله وأدعوه أن يوجهني لما فيه الخير لي ويرضيني به.

جاء الغد ونومي كخفة الظل، نهضت من نومي العاشرة والنصف فتشت جوالي سريعا وفجأة اتصل ذلك الدكتور وقلبي يصفق ويرقص، لقد كان يرغب في عقد مقابلة عمل لي يوم غد الثلاثاء فوافقت فورًا، وقبيل إغلاق الخط تذكرتُ أن المتحدث معي حتى الآن رجل! فعلي التأكد من لجنة المقابلة ما إن كانت نساء أم رجالًا لآخذ احتياطاتي، فأجاب الإجابة التي وددت لو لم أسمعها: في حقيقة الأمر العمل كله قابل للاختلاط، وستكون لجنة المقابلة من الرجال. قلت حسنًا وأغلقت الخط، وكأن قبسًا من نور قلبي قد انطفأ وعَلِقتْ دمعة حارة في محجر عيني وأنا أرى فرصة ذهبية تُسرق مني عُنوة!

في حياتي كلها لثلاثة عقود لم أصب بخيبة أمل كالتي أصابتني، من المسؤول عن سرقة حلمي؟ من الذي ارتضى أن تكون مقرات العمل نساء ورجالا معًا يتقابلون كل يوم لساعات طوال، تتعامل المرأة الأجنبية مع الرجل الأجنبي ومن أجل ماذا؟ مال يذهب هباء وتبقى أعمالنا في صحائفنا حتى نلقى الله سبحانه؟ ما جاء الاختلاط في شيء إلا أفسده! وما كانت وصية رسولنا صلى الله عليه وسلم للنساء أن يبطئن الخروج من المسجد حتى يخرج الرجال ثم بالمشي إلى جانب السور وهو مجرد سير، وخروجٌ من أجَلّ طاعة، ووصية لأجلّ نساء وأعظمهن وأجلّ رجال وأعظمهم على الدهر رضوان الله عليهم جميعا ثم هو يوم واحد وسير واحد، فما بالك باجتماع يوميّ لساعات طوال تقابلون نفس الأشخاص بل ولن يتم العمل إلا بالتعاون بينكم حتمًا سيوردنا ذلك المهالك في الدنيا والآخرة والعياذ بالله!

ازدردتُ ريقي وأنا أدعو الله كدعاء أمنا أم سلمة رضي الله عنها عندما مات زوجها أبو سلمة فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها. فأبدلها الله برسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلق أجمعين قادر سبحانه أن يبدلني خيرًا مما فقدت، أبتسم بملء قلبي ترضٍ بما قدر لي، أملأ رئتاي بالهواء بعد أن خنقني الهم وتربص بي الغم وأُخرج زفيرًا طويلاً علّ الخنجر الذي وقع في قلبي يختلّ توازنه فيسقط، سبحانه بيده الخير. عوضًا جميلًا يا الله.

١٤٤٣/١/١٦هـ

2 Comments اضافة لك

  1. 🤍🤍 كتب:

    اسأل الله رب العرش العظيم ان يبدلك خيراً منها وان يرزقك الوظيفة التي تتمنينها والتي تكون خيراً لكِ 🤍🤍.. وأسأل الله ان يرزقك من حيق لاتحتسبين

    Liked by 2 people

    1. asyeh كتب:

      اللهم آمين ويرزقك من واسع فضله العظيم💗🌸

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s